ابن سبعين
100
رسائل ابن سبعين
العموم في التكليف ، أو لكل نبيه يطلب رشده ، ولا يهمل الأمر الأزلي في اللّه إذا جعلناه على الخصوص ، أو لكل غافل عن مصالحه ورشده مع كونه في إمكانه تحصيل السعادة وفي قوته كسبها إذا جعلناه بمعنى الشبيه . وقوله رضي اللّه عنه : ( هل عمرك إلا كلمح ) . هل : حرف استفهام ، ومطلبها يبحث عن وجود الشيء . والعمر : هو المدة التي أعطيت للإنسان في الدنيا . واللمح : هي الخطفة التي يخطفها البصر في أول نظرة في الزمان الفرد الذي لا يسع قضيتين ، كما تقول لمحت فلانا ، ولمحت كذا بمعنى أنه خطفه البصر ولم يحققه ، ولا كرر النظر فيه زمانا ثانيا ، وكأنها النظرة التي تقع فجأة من غير قصد ، ولا تقدمتها نيّة ، ولا إرادة . ولذلك لا يطالب بها الإنسان في رؤية ذوي المحارم إلا إن كرر النظر بالقصد ، وقد ضرب اللّه المثل بذلك في سرعة أمره الواقع في الكون الممكن في قوله تعالى : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر : 50 ] . ولما كان الماضي من الأحوال التي يخبر عنها العبد من وقته إلى أول أمره خير حاصل له في الحالة الراهنة ، وكل ما تقدم من خير وشر قد ذهب ، والمستقبل كذلك غير حاصل ، ولا معتبر في تلك الحالة بعينها ، فلم يعتبر وجود حال إلا الحاصل القائم بك في الزمان الفرد الذي أنت فيه على ما أنت عليه ، فكأنه قال لك : الماضي من زمانك قد انقرض وذهب ، المستقبل ليس إيجاده في كسبك ، ولا هو حاضر عندك ، فمالك عمر إلا الحال القائم بك ، والحال القائم بك مثل لمحة البصر ، فكيف تغتر بلمحة ذاهبة ، وتنقطع عن السعادة الثابتة الأبدية ؟ ولما كانت الأحوال عرضا والعرض لا يبقى زمنين ، والعرض الثاني في الزمان الثاني هو خلق في ذلك الزمان بعينه ، والأول قد انقرض ، والأحوال تجدد على العبد الممكن في كل زمان فرد ، وهي تسيل بالذهاب ، وتجديد الإيجاد مثل سيلان الماء في الانخفاض وأسرع جعلها كلمح . ولمّا كانت مخلوقة ، والحق يعطيها في كل وقت ، وذهابها لعينها ، وإيجادها لفاعلها جعلها كإعطاء ( مكد لا سمح ) ؛ فإعطاؤها هو إيجادها من اللّه ، والمكدي هو المنقطع ، وكان قطع الأحوال ذهابها في ذاتها . وهذا معنى قوله رضي اللّه عنه : أو ( إعطاء مكد لا سمح ) .